الشنقيطي

193

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الجمعة لا يكون عقدا بين اثنين فقط ، ولا يكون عملا فرديا بل يشعر بأنه عمل بين أفراد عديدين ومبايعات متعددة مما يشكل حالة السوق ، والسوق لا يكون في البوادي بل في القرى وللمستوطنين . والعادة أن أهل البوادي ينزلون إلى القرى والأمصار للتزود من أسواقها ، وإذا وجد السوق ، ووجدت الجماعة ، اقتضى ذلك وجود الحاكم لاحتمال المشاحة والمنازعات . كما تقدم استلزام ذلك شرعا وعقلا ، كما أن قوله تعالى : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ 10 ] يدل على الكثرة ، لأن مادة الانتشار لا تطلق على الواحد ولا الاثنين ، كما في حديث « البيعان بالخيار ما لم يتفرقا » « 1 » ، ومنه انتشر الخبر لا يصدق على ما يكون بين اثنين ، أو أكثر ، إذا كانوا يتكتمون . فإذا استفاض وكثر من يعرفه ، قيل له : انتشر الخبر . قال صاحب معجم مقاييس اللغة في مادة نشر : النون والشين والراء أصل صحيح يدل على فتح شيء وتشعبه ، فقوله : وتشعبه يدل على الكثرة . وقال يقال : اكتسى البازي ريشا نشرا ، أي منتشرا واسعا طويلا ، ومعلوم أن ريش البازي كثير ، وهذا الوصف لا يتأتى من نفر قلائل في بادية ، بل لا يتأتى تحققه إلا من أهل القرى المستوطنين . وفعلنا في هذا قد أوضحنا هذه المسألة خاصة لهؤلاء الذين يقولون : إن الجمعة كالجماعة تصح من أي عدد في أي مكان على أية حالة كانوا ، وهو قول في الواقع لم يكن لهم فيه سلف ، وخالفوا به السلف والخلف ، مع ما في قولهم من هدم حكمة التشريع في إقامة الجمعة ، حيث إننا وجدنا حكمة الجماعة في العدد القليل ، ولأهل كل مسجد في كل ضاحية . ثم نأت الجمعة لأهل القرية والمصر ومن في ضواحيها على بعد خمسة أو ستة أميال ، كما قال المالكية ، وكما كان السلف يأتون إلى المدينة زمن النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، لما فيه من تجمع للمسلمين على نطاق أوسع من نطاق الجماعة . ثم يأتي العيد وهو على نطاق أوسع فيشمل حتى النساء يحضرن ذلك اليوم ، ثم يأتي الحج يأتون إليه من كل فج عميق ، ولعل مما يشهد لهذا ويرد على من خالفه ، ما جاء في اجتماع العيد والجمعة . إذ خيرهم النّبي صلى اللّه عليه وسلم بين النزول إلى الجمعة وبين الاكتفاء بالعيد أي أهل الضواحي .

--> ( 1 ) أخرجه عن حكيم بن حزام : البخاري في البيوع حديث 2079 ، ومسلم في البيوع حديث 47 .